مسارح عـزاء .


مسارح عـزاء .



عبدالمجيد الحمدان .

تزدادُ الحياةُ تطوراً يوماً بعد يوم، تُدحرجُ بيديها عجلةَ التقدم ، نهيمُ في أكنافِ رخائها، ونتغزلُ بجمالها وهي بدورها تبادلُنا الغزل ؛ فترينا من مفاتنها شيئاً يتجدد ، وبذلك قد شغفتنا حباً !!
سأبوح عما يدور في خلدي من حديث أخص به شيئاً من مفاتنِ هذه الحياة الساحرة !!
أتحدث هنا عن عبقرية فكر ، وبديع صنع ، وايجاز جهد ، وسلاسة تعامل ، وأعني بذلك تلك " الهواتف الذكية " – على وجه الخصوص – التي باتت تستقطب رغباتنا من جهة وتسرق أوقاتنا دون أن نشعر من جهة أخرى .

لقد ألبسنا الهواتف الذكية وللأسف ثوباً فضفاضاً أفسد جمالها فأصبحت تعكس صورة مشوهة أضفى على محياها نوعاً من الكآبة .
إن استخدامنا المفرط للهواتف الذكية قتل فينا كثيرا من الأشياء الجميلة التي كانت تميزنا عن تلك المجتمعات المصنعة لتلك الهواتف.
فببساطتنا سابقاً ، كنا نزور المجالس نسلم على من فيها فنجد كل حفاوةٍ وترحيب ، هنا وهناك في المجالس يتبادل آباؤنا الأحاديث الودية وشيئاً من جميل الماضي وأحوال المجتمع .
أعراسنا كانت أشبه بأعياد يرقص لها القلب طرباً يجتمع فيها الأقارب ويزدحم الحضور، يخرج مرتادها مشبعاً بالحكايات والأحداث، فهو بذلك يكون قد نفّس عن ذاته بعضاً من هموم الحياة ومشاغلها .
إن حياتنا اليوم أصبحت أكثر انطواءًا بل يجدر القول بأنها أصبحت شبيهة بـ " مسارحِ العزاء " يخيمُ عليها الصمتُ في كل مكان، فلا تكادُ تدخل منزلا ً أو تزور مجلساً وتجد فيه من يتحدث !!
الكل قد طأطأ رأسه تجاه هاتفه، فتارة يضاحكه وتارة يميل به يمنة ويسرة يشارك خصومه اللعب في عالمٍ افتراضي ! متجاهلاً بتصرفه هذا فوائد التواصل المباشر .
إن تواصل الفرد المباشر بالآخرين يساعد في تحسين حالته النفسية، ففي تواصله يبث الهموم ويتلقّى المشورات ويواجه المواقف المختلفة التي من شأنها أن تصقل خبرته في هذه الحياة.
ولا يفوتني في نهاية المطاف أن أنوه بأننا اليوم بأمس الحاجة إلى تنظيم الوقت وتقنين استخدام تلك الهواتف التي يترتب على استعمالها المفرط كثيرا من الأضرار الصحية والإجتماعية والاقتصادية وكذلك النفسية، فلابد أن تُوازن الأمور وأن تعاد إلى نصابها لنرتقي بمجتمعنا ونعيد إليه جماله المعهود.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *